.
          قصص قصيرة
قصة قصيرة -الجزء الأول 
يمكنكنّ اقتراح نهايات وسأختار أجملها وسأكمل وفقها القصة؛)

لطالما أحْبَبْتُكْ..فيلمٌ هِنْدِيٌّ مصبوغٌ بمساحيقِ الرّومانسيّة والذي اعتدتُ على مشاهدتهِ مرّةً كلّ بضع أسابيع لأستسقي منه مطراً يهطلُ فيروي  جفاف حياتي العاطفيّة. أكادُ أتخطّى العقد الثالث من عمري من غير أن أقع ولو مرّةً في الحبّ.كان التفاؤل يحذوني في العشرينات وكنتُ أهزأ  بصديقاتي مِمّنْ رَضَخْنَ للتقاليد التي دفعت بِهِنّ إلى حلبةِ الزّواجِ المُدَبّر.كيف لَكِ أنْ تتزوّجي مِمّنْ لم يخفِقْ قلبُكِ لرؤياه، ومِمّنْ لم يلتئم جُرْحُ فصلِ روحِكِ عَنْهُ والذي تَمّ منذ زمنٍ بعيد لِلُقياه.واعتدتُ أنْ أجلسَ ساعة مَعَ كُلِّ مَنْ خَنَعَت لاختيارِ الكبارِ لها وأحاول أن أنهاها عَمَّا هي مُقْبِلَةٌ عَلَيْه بلا فائدة.
"أقترِبُ من جيل العنوسةِ صديقتي ولا أريد أنْ يفوتني القطار"..كانت تأتي الإجابة مع تلميحٍ واضحٍ من العينين لاقترابي أنا أيضاً من عمرٍ فيه ستتقلص نِسَبُ فُرَصِ الزواج..في الماضي، كُنْتُ أضحكُ ملء فمي وأقهقه وأنا في طريق العودة قهقهةً فيها شيء من الشفقة لمصير العشرينيّة التي ستتحدُّ مع من لن تَسْعَدَ معه، بكلّ بساطة ،لأنّها لا تعشقه.أحياناً، كُنْتُ ألتقي بهِنّ صدفَةً بعد الزواج، لأجدَ ملامحَ الرقّةِ قد اخشوشبت واكتست طابعاً من القسوة ترجمتها على أنّها لغة الكفاح التي اضطررن لتبنّيها للعيش في تلابيب حياةٍ أبت أن تهب البعض ما يشتهي من عالم المشاعر ..
وجاء اليومُ المشؤوم ولبستُ الأسود حداداً على ما مضى من أيّامٍ كُنْتُ أسخرُ فيها من ما يُقال عن أسطورة الحُبِّ بعد الزواج .دخلت في العقد الرابع وساعتي البيولوجية بدأت تطنُّ في أذنيّ..ماذا عن الأمومة ؟ صرتُ أسألُ نفسي..ألا تستحقُّ كلمة "ماما" التضحية ..ألن يكفيني عشقي لفلذات أكبادٍ اشتهيتُ لقياها..وبدأتِ النفس اللوامة عملها الدؤوب..وتكّاتُ السّاعةِ صارت عَدُوّتي والتقويم السنويُّ سَجّاني إلا أنْ قابلته.. 
******************



قصة حبّ
من بين كل الحاضرين اختارت أن تجلس بجانبه.
أشرق وجهها وعلته ابتسامة حب.
خفق قلبها بسرعة.
اشتمت عبير الورود.
سقطت على نعشه وأسلمت الروح
..






7/12/2015

ثلج
يمرُّ الوقت وهو في الزحام ..من حوله الكثير من البشر يتدافعون بضرب من ضروب الجنون ..يقتحمون كل فراغ تركه متعمدا بينه وبين السيارة التي تسبقه حتى يتفادى الاصطدام ..يطالع الوجوه ،كلها تحمل تعابيرا غاضبة ..تتعالى أصوات الأبواق احتجاجا على دورة الحياة..ألم ينبلج الفجر عند الجميع بنفس الساعة؟ألم يبدأ النهار ؟ ألم يستيقظ العاملون  ؟أليس الكل في طريقه لهدف معين ،أليس مقدرا أن يتوظف المعظم ؟ ألا تصادف الساعة الثامنة بداية يوم عمل في كل المؤسسات؟ فلِمَ يعترض الجميع طريق بعض وكأنّ الطريق تخصهم وحدهم؟ولم هذا الغضب المتبادل ؟  ..يُشَغِّل المذياع على إذاعة دينية فإذا بها تذيع فقرة إعلانات ..حتى الدين أصبح سلعة هذه الأيام ..أغلق المذياع ..تتساقط الثلوج فلا تفلح في تهدئة الأعصاب بل كأنها تكسو فيما تكسو القلوب فتتحجّر ..ما زالت الإشارة الضوئية
تتجهّم بالأحمر ..لا بدّ أن بها عطل ما..فكّر ورفع قدمه عن الفرامل ليريحها قليلا، عيّر الغيار على الوقوف للحظة أو للحظتين ثم فاجأه الضوء الأخضر، فانشغل بتغيير الغيارات وضغط على دوّاسة الوقود لكن السيارة التي كانت أمامه توقفت على حين بغتة لأن صاحبها والذي استطاع أن يمرّ والإشارة صفراء غيّر رأيه في آخر الأمر ولم يعبر ،  فحصل الصدام ، وخلال هنيهة وجد نفسه وسط وابل من المسبات واللعنات وكأن الضغط الذي يحيط به كل صباح لم يكن كافيا ليعكر مزاجه،ثار الدم في عروقه فقد أضاع المنطق في مكان ما في الطريق وانفجر غاضبا بدوره وقام بضرب السائق بعنف وأصابه بإصابات بالغة..لم يع ما جرى إلا وهو مقيّد بعدما أُبلِغَ عنه..لم يتأثر من القيود فقد كان مقيدا بقيود أخرى حقيقية أكثر ..حُكِمَ عليه بشهر من الخدمات لصالح الجمهور ..سَخِرَ من المصطلح..ألم يكن جنون الجماهير في ذلك اليوم معدٍ كجنون البقر ؟!ولكنّه لم يعترض..باشر عمله بتنظيف الشوارع ..كان البرد قارسا..لكنه لم يشعر به فقد كان منغمسا في ثورة اعتملت بداخله..ما المعنى للحياة في ظلّ الآخرين ،يمرّ الناس من حوله لا يَرَوْن غير أنفسهم، احتياجاتهم الشخصية وعالمهم ،فقد إيمانه بهم ،وظلّ على هذه الحال لبضعة أيام لم يبصر فيها غير الثلج ،وفي اليوم العاشر ..مرّت  بمقربة منه طفلة كانت في طريقها للمدرسة ،نظرت إليه بدفء،ابتسمت له وحيّته فكُسِر حاجز جليدي في الطريق إلى قلبه ..وفي يوم آخر،وبينما كان يزيح طبقات الثلج عن الرصيف، ..فإذا ببرعم أخضر صغير يحاول شقّ طريقه  فأذابت إرادته للحياة حاجزا آخر، وبعد يومين ، كان يقلّم شجرة فوجد قلم حبر فاخر معلقا على غصين وعندما رفعه، سقطت قصاصة ورق صغيرة كانت مرفقة به على الأرض، رفعها،فتحها ببطء وقرأ الكلمات فيها والتي كانت تعود لشخص وجد هذا القلم ملقىً في ظل الشجرة، فتبادر لذهنه أن الأقلام من هذا النوع قد تكون ذات قيمة عاطفية لصاحبها فغالبا ما تكون هدية من شخص عزيز أو ترمز لمناسبة هامة فعلّق القلم على طرف الشجرة على أمل أن يجد صاحبه الطريق إليه ..أعاد القلم إلى مكانه وهو غير مصدّق ..وعُبّدَت الطريق إلى قلبه ..وتزاحمت البسمات هناك ..أشرقت الشمس وبات للحياة معنى آخر .. 


3.12.15

موت الخراط

كان المساء ليلكيا في يوم الخميس الفائت مما أدخل روح التفاؤل على قلبي بعد يوم عصيب ذقت فيه الويلات على عقب فهّات زملائي الذين لم يحسنوا تقديم جدول الحسابات لثمن عقارات بيعت في مؤسستنا في الشهور الستة الأخيرة فتحملت أنا بصفتي العامل الأكثر وفاءا وفق كلمات مديري نتيجة إهمالهم ووعدني إن أنجزت العمل خلال اليوم بعلاوة تكفي لشراء رغيف لحم مقدد..
في طريق العودة  إلى البيت،ران الكرى في عينيّ فبحثت عن أنيس لوحدتي يوقظ حواسي عدا عن طعم الكستناء المشوية والذي علق في فمي بعدما تعوّدت أكلها كل يوم في نفس موعد وصولي المنزل منذ أن بدأ الشتاء،  فأدرت المذياع وبالصدفة،أُذيعَ برنامج ثقافيّ عربي رصد أخبار المبدعين الأجانب والعرب من نحّاتين،رسّامين،موسيقيين وكانت حصّة الأسد من حظّ الممثلين،المغنيين والراقصين وفي نهاية البرنامج الذي تابعته كله لعدم وجود خيار آخر لتشويش لحق باقي المحطات عقب سفري في منطقة معزولة بعض الشي،ذكرت المذيعة بنبرة معتذرة وباختصار مقتضب موت الكاتب المصري، إدوار الخراط،والذي كنت من قرائه فحزنت لهذا الخبر، وخاصة أن الإذاعة أتبعته بأغنية أجنبية لم أفهم من كلماتها شيئا،فزدت من سرعة سيارتي حتى أعجّل من وصولي إلى البيت ..وحين وصلت،سمعت أصواتا نسائية مألوفة وعرفت منها أن زوجتي ولسوء حظّي استضافت بعضا من صديقاتها وكان جُلُّ همّي في ذلك الوقت أن أحظى بقليل من الراحة فعمدت إلى الباب الخلفي لأدخل منه ولكن كُشِف أمري في اللحظة الأخيرة لأن ابنتي الحبيبة لمحت ظلّي من الشباك وأخبرت أمّها فنادتني الأخيرة بصوت فيه غنج ودلال تحتال به عليّ حين تكون في حاجتي فدخلت مرغما من الباب الأماميّ ،حييت الحضور وتوجهت إلى غرفتي حين استوقفتني زوجتي.
-إلى أين تذهب ؟
-نعم ؟!
-أقصد أني بحاجتك لتغيير المصباح لتتحسّن الإضاءة لنستطيع أنا وأم علي وأم فادي مشاهدة برنامجنا المفضل والذي سيبدأ بعد قليل..
-أي برنامج منهم ؟ أذلك التركي المدعوّ بالأرض الطيبة والذي ليس فيه شيء طيب ؟قلت بسخرية..
سمعت ضحكات مجلجلة من غرفة الضيوف العامرة
-سامحك الله يا أبا فلان ..موضة البرامج التركية قد ولّت واليوم ذاع صيت المسلسلات الهندية ..
قالت أم علي ببعض اللوم ..
-عذرا ! فأنا غير مطلع على هذه الأمور لانشغالي..
لكن هل تعلمن من توفي البارحة؟
تجهمت وجوه ضيفاتنا الكريمات ونطقت إحداهن بسؤال حذر :
-هل هو ممثل هنديّ؟
-لا ليس ممثلا هنديا ..
تنفست كل النساء وطفلتي الصعداء ولم يستفسرن عن المتوفّى 
-ألا تردن معرفة هوية المرحوم ؟
-طالما أنه ليس أرناف فلا نبالي ..وضجّ  ديوان النساء بقهقهات كادت تفقدني صوابي ..
-من أرنب هذا ؟ سألت بأدب مصطنع
-أرناف وليس أرنب وهو البطل في المسلسل الهندي الذي سيبدأ بعد دقائق.قالت إحداهنّ بقمّة الجديّة ورمقتني أخرى بنظرة غاضبة وكأني دنّست معبدا هنديا للتوّ..
-لقد توفّى الله الخراط..قلت بحزن..
-لقد بدأ المسلسل ..ستجد الطعام ساخنا في الفرن ..سنغيّر اللمبة لاحقا ..طردتني زوجتي بابتسامة ماكرة وسط تجاهل تامّ لخبر موت الخراط..
*************
30/11/15























***************************

محطّة 
انتبهت من سهوتي فإذا بالساعة قد جاوزت الثانية بعد منتصف الليل ..كنت جالسا بجانب مكتبي القديم أراجع كتابا أخيرا لي أوصيت بأن يصدر بعد موتي ولربّما أردت له أن يكون كتاب اعترافاتي لسيّدتي الدُّنْيَا التي نجحتُ في خيانتها من غير علمها فشهدت سعادة لهنيهات حسبتها من صنع الجنّة ..تأمّلت محطات حياتي التي كتبها صديق لي فإذا بها كاذبة محتالة ومنافقة ..قرأتها ألف مرة ولعنت التقادير التي لعبت بي لعبتها وجعلت مني دمية تحركها كيف شاءت، تفرحني للحظات وتنغّص عليّ حياتي لسنين .
سيرتي الذاتية التي خطّتها أنامل صديقي الحميم كانت ميتة، خالية من أثرها ..كيف أكتب عن أي مرحلة مررت بها ولا أذكرها ..كيف وقد التقيتها مرة في معزل عن هذا العالم السّقيم وبات غيابها حاضرا في ما تبقى من سنيني ..
أكان يوم أحد حين خرجت من البيت للعمل فاستوقفتني كالعادة سيارة النفايات التي قُدِّر لي أن أصادفها في كل مشاويري فكنت أضحك من لعبة الوقت الذي يملكنا ولا نملكه..نتوعّده بالسيطرة عليه ثم يهرب منّا ويتركنا حيارى عاجزين أمام عملية سرقة  ظهرت فيها جليّة خفّة يده .
نُخَطِّطُ فنُخْفِقُ فنعيش أحداثا لم تكن لتخطر لنا ببال وهكذا حدث لي في يوم الأحد ذاك البعيد القريب ،الحيّ رغم انقضاء عمره ،أبديّ أنت يا يوم الأحد الذي مننتَ عليّ بلقائها ..فبينما كنت في طريقي بعدما اجتزت سيارة النفايات وودعتها هاتفني زميلي في العمل ليعلمني أنّ عليّ أن أقوم بمهمة ميدانيّة في محطة القطار القريبة التي صادف اليوم يوم افتتاحها ..فغيّرت مسار رحلتي ووصلت إلى المحطة لأجدها فارغة إلا منها ..فقد كان الوقت ما زال مبّكرا ..حبيبتي كانت جالسة على المقعد الخشبيّ الذي قد يكون يحمل ذكريات شجرة بلوطٍّ خُلقت لتعطّر محطّة قطار بلون من ألوان البقاء وضرب من ضروب الكينونة .جلست أيضا على المقعد ولم أتكلّم ولِمَ أتكّلم "والصمت في حرم الجمال جمال " ..
حبيبتي كانت ذَا وجه تطلّ منه نظرة معذّبة وكما تزيّن الحليّ النساء ،زيّن الحزن وجه من ستصبح آسرتي ..مرّت الدقائق مسحورة ببطء من عالم آخر .عشقت فيها ما يكفي لألف حياة ..فرحت فيها فرح من وجد نصفه الآخر بعد تباريح الفراق منذ أن فرّقتنا أسطورة الأندروجين اللعينة..وجدت ما كنت أبحث عنه وتقت لأوقات كنت سأمسح فيها لمحة حزن عن وجه معشوقتي لأجعله يعاقر الفرح فلا يتركه ..ضعت في هذه الدقائق ..نسيت من أكون من غيرها ..وصدّقتُ كذبتي الصادقة ..إلى أن جاء هو ،واضعا ذراعه على كتفها واقتادها إلى حيث تقطن كوابيسي..
لم تزل معي هي بل ورافقتني في كل مكان وأضحت ظلّي ..في كل كلمة كتبتها عاشت وتنفست من أنفاسي المختنقة من غيرها ..والآن ..سأضيف محطة إلى سيرتي الذاتية لتحيا فأحيا 
بدفء وجودها بين محطاتي ..التقيتها يوم أحد ولم يفرِّق بيننا إلاّ الموت

مرض الحب =22.11.15
كان وضعها صعبا جدا ..أفاقت من نومها على كابوس لم تتذكر تفاصيله سبّب زيادة ملحوظة في معدل نبضات قلبها ..تصببت عرقا وهي لم تعرف الحرّ يوما وكانت تعتبر نفسها من ذوي الدم البارد.. لمست وجنتيها لتجد قطرات من سائل بدا كالماء ولكن حين تذوقته لمست فيه بعض الملوحة..كانت هذه المرة الأولى التي تصادف فيها مثل هذه الأعراض ..لا بدّ أنّي مريضة ..فكّرت بفزع ..يجب أن أعرض نفسي على طبيب وبسرعة قبل فوات الأوان ..نهضت بسرعة ..أنهت استعدادها للخروج خلال ثلاث دقائق وكانت أمام العيادة خلال ثلاث أخرى ..
استقبلها الطبيب بعد دخولها غرفة الانتظار بأربع وثلاثين ثانية ..حسبت مجموع الثواني لكل الرحلة  وكانت راضية جدا عن النتيجة ..
-أهلن ..حيّاها الطبيب بابتسامة
-رجاءا دعنا من هذه الاجتماعيات الفارغة ..لا وقت لديّ لذلك ..
اتسعت ابتسامة الطبيب بحِلْم أو هكذا حاول أن يُبدي لها ..ينتظرني يوم طويل بصحبة المرضى اليوم ..قال لنفسه ..
-مِمّ تشكين آنستي  ؟
-أحلام سيئة ،دقّات قلب سريعة ، إفرازات بكميات مبالغ بها من الغدة العرقية ، وانهمار سائل مالح الطعم من العينين لم أعهده من قبل  .
-هل تقصدين الدموع ؟ قال بملل
- دموع ؟ ولمَ قد أفرز دموعا ؟ قالت باستغراب..
- ربّما كنتِ تبكين ..هل فكرت في ذلك؟
-من المستحيل أن أبكي ..أنت لا تعرفني ..حياتي مبرمجة بشكل كامل ولا يوجد فيها ما قد يُخِلُّ بتوازني ويجعلني أفقد أعصابي وأنهمك بمثل هذا التصرف الطفولي  ..
-إذن كيف تفسرين الدموع ؟استطرد الطبيب..
-ربّما كان لديّ ما يسبب ضغط على أعصاب العين  أو لربما فاضت الغدد الدمعية لمرض ألمّ بي ..
تنهّد الطبيب ونهض من مكانه وهو يكتم ضحكة
وحاول أن يبدو بكامل الجديّة حين عاين المريضة الغير اعتيادية ..
-متى بدأت الأعراض ؟
-منذ يومين وثلاث ساعات ..
-هل سبق الأعراض حدث غير اعتياديّ  ؟
- مثل ماذا ؟ 
-مثلا أزمة عاطفيّة .. 
-ماذا ؟ ماذا تعني ؟ بدأ الخوف يتسرب إلى عقلها
- قد تكونين وقعتِ في الحبّ !
- هل هذا مرض ؟ 
-نعم ..من أخطر أمراض العصر..
-ماذا يُسبّب هذا المرض ؟ هل من سبيل لعلاجه ؟هل هو معدٍ؟  سألت بهستيريا..
-أعراض المرض تختلف من شخص لآخر ، ولا، لا تقلقي هو غير معدٍ ...لكن للآن لم نجد له علاجا رغم كل المحاولات ..
-وكيف نتأكد أنّي أصبت به ؟ هل هناك من فحوصات ؟ 
-نعم ..هناك فحص واحد يمكنني إخضاعك له الآن   إن وافقت طبعا ..
-حسنا ..لا مشكلة ..
-الفحص عبارة عن سؤال ..
-آه ..أتقصد استمارة أعبئها ؟
-لا ..ليس هناك من استمارات ..إنه فقط سؤال ..
-ما هو ؟ 
- هل تشتاقين لأحدهم ؟
-لا أفهم السؤال ..
-هل تفتقدين إلى شخص معين ؟هل تحنّين إلى إنسان آخر منفرد عنك ؟ هل تشعرين بالحاجة لأحدهم ؟
غرقت هي بضحكة عالية ..
-ما الأمر ؟ لم تضحكين ؟تكدّر وجهه 
- أنا بصحة جيدة إذا وفقا لهذا السؤال ..لا أرى أنّي أعاني من مرض الحبّ ..
كاد الطبيب أن يفقد أعصابه لبرودة مشاعر هذه الشابة ولجهلها العاطفي فأراد أن يكيل لها الصاع صاعين ويهاجمها بضربة تهزّ كيانها وتعيدها إلى صنف البشرية..
اكتسى وجهه بقناع من القلق ..
-أنا آسف جدا ..
-لماذا ؟ لا تأسف ..عليّ أن أشكرك ..أشعر بأني بأفضل حال ..وهذا بفضل حرفيتك ..
-للأسف ..أنت مريضة جدا ..وتحتاجين إلى علاج فعّال ..
حدجته بنظرة لا مبالية ..
-بل أنا بخير ..لا أشكو من شيء..
-بل تشكين ..أصرّ الطبيب 
-من ماذا ؟ قالت وهي تتجه نحو الباب ..
-من سوء تغذية قلبية حاد ..
-لا بأس ..هذا للأفضل ..على الأقل لست مريضة بالحب الذي لم يُكتشف  له علاج ..فليكن نهارك 
مشحونا بالحبّ ..



*****************


صدفة ..

امتزجت الألوان مع الأصوات في فجر شتائي أول لعام لم أعد أتذكر أرقامه بفعل عادة اكتسبتها بعدم  إجهاد نفسي في تذكر خانات خانتنا وهي تمرُّ سريعا من غير أن تعمل حساباً لمشاعرنا تجاه تقدّمنا في العمر  ..نهضت مبكرة لأبدأ بصنع الصدف في رواياتي ..حكاياتي تضمنت شخصيات حقيقية من العالم المنشغل جدا عن الأبعاد الخفية للأشياء أو عمّا يختبأ وراء سطور الوقائع .. وراء كل اسم تستتر سلسلة من الصدف  ولهذا كنت أؤمن أنه ولا بُدّ ، بل من المؤكد والمحتّم أنّ هناك ملاكا مسؤولا عن خلق الصدف في الواقع،  وَأَمَّا أنا فكنت مجرد إنسانة نَصَّبَت نفسها مسؤولة عن معجم الصُّدف الروائي . 
قبل الانطلاق برحلة رواية أخرى كنت أدخل إلى الشبكة العنكبوتية وأكتب أي اسم  يخطر على بالي فتوقع الشبكة بعدد لا نهائيّ من الشخصيات  البشرية  القصصية الممكنة، فأقوم  باختيار إحداها ثم أكتب اسما آخر وأخلق صدفة تجمع بين القصتين ..وقد راق لي أن أجمع بين شخصيات لربما لم تكن لتلتقي على أرض الحقيقة مثل محقق جرائم ومهرجة أو ملاكم من الدرجة الأولى وشابة ريفية تعمل بالمزرعة  وكلما كانت الشخصيات بعيدة عن بعضها كانت الروايات التي تجمعها تلقى نجاحا أكبر ..وكان أن فعلت هذا على مدى سنين  حتى قررت أن أحيد قليلا عن أسلوبي لشعوري بالملل وقررت أن أكون أنا إحدى الشخصيات في الرواية التي كنت أحضّر لها.
وفي هذه المرة لم ألجأ لطريقتي المعهودة في تقفّي أثر شخصيات ممكنة عبر الإنترنت بل أخذت قرارا بالاستسلام لذلك الملاك  الذي سيخطط لأجلي والذي سيعمل بدلا عني في صناعة صدفة أو أكثر في حياتي الشخصية ..
وفي يوم شتائي آخر من عام آخر ، خرجت إلى الشارع من غير تحديد وجهتي بل تركتها  لرحمة الصدفة ومشيت ومشيت وبدأت الغيوم المتفرقة تتجمع لتنذر باقتراب هطول المطر ولم أكن أحمل مظلة كعادتي فخطر ببالي أن أختار بين دخول مقهى دافىء لأحتسي شاي أعشاب لذيذ وبين ركوب سيارة أجرة ففضلت الإمكانية الثانية لسبب لا أعلمه فأوقفت واحدة وركبتُ في المقعد الخلفيّ .
-إلى أين ؟
جاء سؤاله رتيبا ذَا نبرة جامدة خالية من أي حيوية 
لدرجة أنه كاد يثنيني عن مغامرة اليوم لكنني عزمت على أن أكمل ما بدأت 
-إلى أقرب صيدلية من فضلك ..
لم اخترت الصيدلية لا أدري ،لم أكن مريضة ولم أحتج أي دواء لكن مجددا أصغيت لصوت داخليّ 
كان يقودني لصدفتي المنشودة والتي ربما كنت أنا من سيصنعها عبر قرارات تنصت لصوت الحدس.
-وصلنا ! في الطرف الثاني من الشارع ستجدين صيدليتين ولَكِ الاختيار .
مجددا كان عليّ أن أختار ..كانت الصيدلية الأولى مزينة بأضواء عيد الميلاد أي أنّها ملك لشخص نصرانيّ الديانة وأما الصيدلية الثانية فكانت تبدو أحدث وأكبر لكنّها لم تكن مزيّنة كالأخرى .
نظرت عبر الزجاج الخارجيّ لكلا الصيدليتين فوجدت أنّ الصيدلية الجديدة تعجّ بالزوّار أمّا القديمة فتكاد تكون فارغة فدخلتها هي دون الثانية  ووقفت أنتظر أن ترتطم بي صدفة تقلب موازين حياتي في داخل هذه الصيدلية الخالية من المشترين .. وقفت زمنا بدا لي كدهر إلى أن أيقظني صوت الصيدليّ الذي ارتدى رداءا أبيض 
ووقف ممعناً النظر فِيَّ بعدما تكرر نداؤه للغريبة الواقفة أمامه من غير أن تردّ ..
-عذرا لم أسمعك ..آسفة!
-لا بأس ..ماذا تحتاجين ، هل لديك وصفة طبية؟
ارتبكت وسكتّ ..لم أكن أعلم بماذا أجيبه 
وفجأة تغيرت تعابير وجهه وقال :
-ألست أنت فلانة؟
-نعم إنّها أنا ..ها..هل تعرفني؟ 
ظننت أنّه تعرّف عليّ من رواياتي لكنّي تذكرت أنّي امتنعت عن نشر صورتي في أيٍّ منها بل والأنكى من ذلك أنّي كنت أكتب باسم مستعار فكيف عرفني هذا الغريب؟ ..
-أجل ..لقد كنتِ زميلة أختي فريال في المدرسة، أليس كذلك ؟!
-فريال ؟! أنت أخو فريال ؟
-نعم !!
-إذن أنت فلان ،لا أصدِّق ..كيف تذكرتني ؟
احمرّ وجهه خجلا وحاول إخفاء ارتباكه بنثر بعض التعابير  :
-يا للصدفة !! بعد كلّ هذه السنين !!إنّه حقًّا لأمر جميل ..
ابتسمت ..
ها هي صدفتي قد وقعت وأوقعتني في شراكها وجمعتني مع شخص لم أكن لألتقيه أبدا لولاها..
روايتي على وشك أن تبدأ بفضل صدفة أم أنّه القدر ؟!


التعايش مع الآخر-خاطرة
خرجتُ من المبنى متجهة إلى الموقف وتوقفت للحظة لأطلّ على المنظر من مرتفع .كانت الأضواء ساطعة تحاكي ضوء النهار وتساءلت في قرارة نفسي عن مدى زيف الأشياء وحقيقتها ،عن جانبها الخياليّ وعن واقعها ،عن الكذب وعن الصدق ،عن الهدوء المخادع وعن الفوضى التي فرضت نفسها على العالم في الفترة الأخيرة.  كان الجوّ قارسا فاحتضنت حقيبتي علّي أنعم بالقليل من الدفء ..اقتربت من سيّارتي ،فتحت الباب بسرعة ،أخذت مكاني ،وضعت حزام الأمان ..حزام الأمان ؟! 
لم تعد جرعة الأمان اليومية تفي بالغرض فالقليل   منها ينتظر البشرية في هذه الأيام ..كانت هذه فكرتي التي بدأت بها نهاري وقد خيّمت روح التشاؤم على نفسي منذ الصباح وذلك بعد استماعي لشريط الأخبار في المذياع والذي يعمل كملاك الموت الذي لا يتركك من غير الاستيلاء على روحك وهكذا تفعل عناوين الصباح..تسرق منك البسمة ..تُجَفِّفُ منابع تفاؤلك ،تقضي على آخر شرارة إيمان تملكها بالخير الكائن في بني جنسك،وباختصار تبيت أنت المستمع المخلص فارغا خاويا من مشاعر تجعلك ترى في النهار سعادة، في أشعة الشمس زيادة في الإرادة ، في سلامك الداخليّ ريادة  وفي الحوار مع الآخر متعة وابتسامة زيادة   . 
عربية كنت في الأمس وعربية أصبحت في واقع جعل كلمة عربي محطّ انتقاد ،خوف واحتقار ،حقيقة لم أغفل عنها حين خطوت أول خطواتي نحو وجهتي ..أنظر إلى من حولي وأترجم النظرات أوّل بأوّل ، ملامحي عربية ، لباسي عربي وحتى نَفَسِي عربي .. هذا يتفحصني بشكّ، تلك تبتعد بسرعة لم أظنّ أنّها ممكنة لماشٍ على الأقدام ، كدت أقسم بأنها تطير ، وآخرون يسكتون حين أمرّ ويتابعون كلامهم بعد ما أبتعد ويطير شرّي ..
يا له من يوم !! أتمتم وأمعن النظر في مشاعري..
ما هو الذي أشعر به ؟! أهو امتعاض ممزوج بكبرياء مكسور أم هو فخر بكينونتي مخلوط مع ما وصفه القرآن يوما ب" وضاقت عليهم الأرض بما رحبت " ..هل أعطّل مجرى حياتي وأنتظر حتى تهدأ الأمور ولكنها أبدا لا تهدأ بل تستمر الدنيا بإعطاء نماذج جديدة مما يعكّر صفوها وصفونا ..
هل أتنازل عن هويّتي حتى أَسْلَم ممّا يمكن أن يحصل مثلا أم أصرّ على مبادئي والّي بَدّو يصير يصير !! كانت هذه الأسئلة الخطيرة تعتمل في نفسي وأنا أمشي ..تدفعني ريح باردة للمُضيّ  وترسم على شفتي ابتسامة ..ورقة خريف  ترسمني ،تجعلني
أضحك من رقّتي ، ضعفي ، قلّة حيلتي وعدم قدرتي على المقاومة.. كالقدر يحرّكنا أحيانا نحو  
غير المتوقّع وفي المقهى حصل ما لم أتوقّع وجعلني أؤمن بالبشريّة من جديد .. وقفت أنتظر دوري بين الواقفين لأطلب قهوتي كما أحبّها ..قليلة الدسم ،مخلوطة بالماء ، قويّة النكهة ، ومرّة كالحياة ... وحين وصلت إلى أوَّل الدور سألني الآخر عن طلبي فقلت له بلغته التي أتقنها وفقا للظروف عن مكوّنات قهوتي الصباحية ..وكالعادة ، وفي مثل هذه المقاهي ، يُطلَبُ الاسم الشخصيّ لكثرة الطلبات كي لا تحدث هناك أخطاء ..كان هذا المقهى مشهورا يزوره الآلاف كل يوم بلا مبالغة فعندما قام البائع بتذكر اسمي وذكره مرفقا بتحية تمثّلت بابتسامة مؤدبة ، ابتسامة خالية من الحكم على الآخر ، ابتسامة إنسانية ودودة لا تحمل أغراضا سيئة ،ابتسامة رافقت اسمي من بين آلاف يحضرون إلى المقهى يوميا فَرِحْتْ ..كانت هذه اللفتة البسيطة بادرة  جعلتني أؤمن من جديد بإمكانية التعايش مع الآخر رغم كلّ ما يحصل ..




Message body



לולה 

העץ עמד שם באמצע הפארק ונראה מהמם מתמיד,ידעתי שאוכל לחוות אותו בכמה דרכים למרות שהוא בעצם אותו עץ .אם אעמוד כשהשמש מאחוריי הוא ייראה כעץ רגיל אך אם אעמוד מולו כשקרני השמש מציצות מאחוריו ומנסות לחדור בין ענפיו הוא בעצם ייראה כמגדלור כי אז האור מצטמק לכדי עיגול קטן שמהבהב ואז השמש כבר לא תהיה שמש אלא יותר כפנס שמישהו אנושי הרכיב .את פחות אלוהית כך שמש...חשבתי לעצמי  ואתה עץ הפכת למשהו מורכב.

בעלי היה טייס והוא עבד הרבה מחוץ לבית ולכן תקשרנו אחד עם השני בעזרת טכנולוגיה מתקדמת שהרשתה לנו גם לראות אחד את השני וכמעט לחוש את הגעגוע המצטבר.לי לא היתה עבודה קבועה כך שלא יכולתי לעזור בפרנסת הבית אך ילדים לא היו לנו ולכן החיים היו בלי הרבה התחייבויות .איני יודעת מי מצא את השני ראשון .האם אני מצאתי אותו כשביקרתי בתכיפות בפארק או שהוא זה שמצא אותי .איני יכולה להחליט אבל הוא בהחלט היה הבן אדם היחיד שהכיר אותי יותר מעצמי ושאהב אותי בלי תנאים ואני בתמורה המשכתי להחזיק בחוטי החיים רק בשבילו כי מעולם לא היתה לי סיבה אמיתית לחיות.האם אהבתי אותו ?תמיד שאלתי את עצמי ואני חושבת שהתשובה היא כפי שהוא תמיד מנסח אותה ."את אוהבת אותי בדרך המיוחדת שלך וכפי שרק את יודעת לאהוב,את יודעת שהיית ממציאה אותי אם לא הייתי קיים רק כדי להמשיך לחיות כי בתוך תוכך את כן רוצה לחיות"ואני בכל פעם שהוא אמר את המשפט הקבוע הזה הייתי נותנת לו חיוך אמיתי שבושל עם הרבה אהבה בלב שלי.

היום ,הייתי צלמת וישבתי וחיפשתי תמונה מטאפורית כלשהי עד שמצאתי את הפנס השמשי שהפך את העץ למגדלור .בעלי הוא המגדלור שלי כי בכל פעם שאני מאבדת את עצמי הוא תמיד שם כדי להציל אותי מלטבוע בסערה של הגלים .אין לי הרבה זיכרונות מלפני התקופה שהכרתי אותו ואולי מחקתי אותם כי התחלתי לחיות רק אחרי שפגשתי אותו .הוא היה בדרכו לטיול רגלי בפארק כשנתקלתי בו .לא היו ניצוצות כי לי קשה מאוד להתרגש מדברים וזאת עובדה גמורה ואילו הוא עמד פתאום כאילו שכח מה הוא עושה פה ואני המשכתי בדרכי בלי לתת בו עוד מבט אבל הוא שינה כיוון ועקב אחריי .  נתקפתי בחרדה ועצרתי ורציתי שהוא יעזוב אותי לנפשי אבל הוא רק עצר ובהה בי ואז ניגשתי אליו ושאלתי אם הוא מרגיש טוב כי הוא נראה מעורר רחמים כזה כמו חתול נווד שאין לו בית או מחסה מהגשם והוא ענה שהוא חושב שאני יפה מאוד וכמובן שלא האמנתי לו כי תמיד החשבתי את עצמי כרגילה לגמרי ועדיין הוא אמר את זה בנימה שגרמה לי לתהות אם הוא על סמים או משהו כי הוא נראה ממש מעופף.הודיתי  לו ושאלתי אם יש עוד משהו שהוא רוצה להגיד ואז הוא אמר שהמטפחת שלי מאוד הולמת לתווי פניי וזה כבר באמת עצבן אותי כי מבחינתי כל מחמאה כזאת אינה יותר מניסיון ללעוג לי כי אם נניח הוא היה אומר לי שאני נראית מכוערת למדי אז הייתי מודה לו מקרב לב ומאחלת לו המשך יום נעים אבל להתחיל לשקר לי כך ועוד בארבע עיניים ולא מאחורי מסך או משהו אז זה היה יותר מדי פרובוקטיבי בעיניי אז ביקשתי שילך לדרכו אבל הוא כמו חתול שמאכילים אותו פעם אחת ואז הוא רודף אחריך לכל מקום ,נדבק אליי וביקש לדעת איך הוא יכול להישאר בקשר איתי .הסברתי לו כמובן שאני מוסלמית ושלפי הדת שלי ,הגבר הוא זה שמוביל את המשפחה ושיהיה עליו להתאסלם ולהתחתן איתי במיידית אם הוא רוצה להיות בקשר איתי והוא פשוט עמד ובהה בי שעה שלמה שבה גם אני בהיתי בו כי זה נראה כמו משחק משעשע של מי יגרום לשני לצחוק קודם ואז הוא התחיל לצחוק ,ירד על ברכיו ואמר שהוא יעשה את הכל כדי שאהיה אישתו ואני כיתומה מלידה ,נעתרתי לבקשת המסכן רק אחרי שהבהרתי לו שהוא יתחרט אך הוא רק חייך כמו משוגע והנהן לכל דבר שאמרתי .

לאחר שבועיים שבהם פטריק עבד ברצף ושבהם גיליתי שאני מאוהבת בבעלי ,החלטתי לספר לו על זה בדרך מיוחדת שתגרום לו לדמוע כי הוא היה מסוג הגברים הרגישים שלא מפחדים להביע את רגשותיהם בדרך נשית כזאת אז בחרתי לכתוב לו מכתב כי ידעתי שאני לא תמיד מצליחה לגעת בנקודה בה רציתי לגרום לאחרים לראות כשאני מדברת בע"פ וזה מה שיצא :

בעלי היקר :

לפעמים ,סערות פוקדות את העולם ואז גלי הים הופכים למפלצות גואות שמטרתן לחסל את הספינות הבודדות שנקלעות בלי להתכוון למרכז הכאוס שנוצר ובדיוק ברגע שצוות הספינה מאבד כל תקווה למצוא קצה של יבשת הם רואים את שובל האור שמגדלור שולח ובכך הוא מושה את הספינה מהגורל המר שהיה מצפה לה אילו המגדלור לא היה קיים .אתה המגדלור המאיר שלי ואני בשונה מאנשי הצוות צריכה אותך בלי קשר למזג האוויר .הפכת להיות האוויר אותו אני נושמת ולחלק בלתי נפרד ממהותי .אני יקירי ,למדתי לאהוב את מי שאתה ולעולם לא אוכל לדמיין את חיי בלעדיך .האם תסכים לאהוב אותי לכל החיים כשם שאני אוהב אותך כל עוד אני נושמת ?

שלך לתמיד ,

לולה

בעלי קרא את המכתב ואני קיבלתי את התשובה שייחלתי לה,פטריק התייפח והניב דמעות של אושר שקטפתי בהתרגשות ובחום .סוף סוף ,היינו נשואים באהבה וכך היה זה אמור להיות .אם כי פטריק גילה לי לאחר שהבטחתי שלא אכעס כי הוא זה שביקש לעבוד שבועיים ברצף כי רצה שאגיע למסקנה שאני אוהבת אותו כי המבחן האמיתי לאהבה הוא מרחק ואני קיבלתי את מעשיו בהבנה .

הכל היה ורוד ויפה ,עד שפטריק פוטר מעבודתו בשל קיצוצים בחברה שבה עבד  .פטריק היה הרוס והוא לא האמין שזה קרה דווקא לו כי היה מאוד מסור לעבודתו והקפיד ליישם את כל כללי החברה .התסכול העמוק שלו ניכר בכל ההתנהגויות שלו.פטריק היה בדיכאון ואני לא ידעתי מה לעשות כדי להוציא אותו מהבועה שבה הכניס את עצמו ולכן התרחקתי בזמן שלפטריק היה קשה .השארתי אותו בבית וריחפתי .חשבתי שאני מצילה אותו בכך שאני נותנת לו זמן לחשוב על מה הוא באמת רוצה לעשות בחיים .ביום אחד, חזרתי הביתה ומצאתי שהוא נעלם פשוט .פטריק יצא מהבית בלי להשאיר הודעה ואני שקיבלתי את היעדרותו בהלם מוחלט איבדתי כל קשר עם המציאות ונפלתי לתוך מערבולת של בדידות.

התעוררתי ביום גשום אחד כדי לגלות שאני לבד בחדר,בבית ובעולם .אחיות הסתובבו במדים במסדרון וכדורים אנטי פסיכוטים נחו לידי וחבטות הגשם על חלון חדרי הזכירו שהכל היה התקף פסיכוטי יפה במיוחד.

 

 




1/11/15
ماذا لو
كانت حادثة عابرة لم تذكر هي ملامحها بوضوح ..
كانت في شدة الحزن على الظروف الحياتية التي اكتنفتها..ما زالت تذكر النحول والشحوب الذين نالا منها وكانت هناك تجلس تراقب المارين من غير أن تشعر بوجودهم حين مرّ هو وأصدقاؤه ..أحدهم حدجها بنظره وخاطبها كأنه لم يكن غريبا عنها وكأنه علم مقدار الأسى الذي احتواه قلبها وحاول أن يواسيها ببضع كلمات لم تتذكرها ..لم تذكر أوجههم ولم تعرهم اهتماما ولم تغير كلماتهم من شعورها ومضت السنون وتعلمت أن تستسلم لقدرها الذي كانت قد حاولت مرارا وتكرارا أن تغيره بلا فائدة ..كانت كالسجين الذي ملّ من كره الظلمة فاعتاد عليها وأصبح لا يألف سواها ورجعت البسمة إليها ونسيت الأسباب التي جعلتها تفكر في مهاجمة المجتمع القذر الذي يأبى أن ترفع أنثى صوتها وتقول يكفي !!لكن الضغوط التي تحملتها تركت ندوبا كثيرة في قلبها فهاجمتها العلل وغيرت من ملامحها حتى ما عادت تعرف نفسها..وكلما كانت تشفى كان المرض يعاود الهجوم فيرديها بلا أمل ..
ثم قررت العودة إلى نفس المكان الذي بدأ فيه كل شيء علها تعيد شيئا من هويتها المشوهة ..فالتقت به من جديد وفي هذه المرة كان محتما عليها أن تألفه ..كان ذَا قيم مختلفة عما آمنت به فلم تسمح لنفسها في البداية أن تفكر فيه ولكن رويدا رويدا وبعد أن استأصل الحب كل الفوارق بينهما ورأته من دون الاختلافات حصل ما لم تكن أبدا تريده وعبث الوهم بها  وبدل أن يساعدها الرجوع على الشفاء ..خرّت صريعة المرض اللعين وافترقت عنه بكل هدوء كاللص الذي رجع بخيبة لأن ضميره استيقظ قبل أن يقدم على سرقة بيت صاحبه ..أما هو فلم يسأل عنها ولم يفهم لم اختفت وأوعز الأمر لأسباب واهية ..
ولطالما فكرت هي بكلمة لو وماذا إذا لكن خنوعها كان أقوى من أن تحاول أن تقاتل من جديد أو تغير شيئا من الأشياء الغير قابلة للتغيير ...
1/11/15
قوانين
لقد اشتاقت إليه ..نعم قد فعلت ..لم تره منذ سنين ولم تعلم أين يكون ومن يكون اليوم فالتغيير هو القدر المحتوم الطاغي على الجميع ..جلست على مقربة من المدفأة تراجع حساباتها وتخوض صراعا مع قلبها..لقد شارف مخزون الذكريات على الانتهاء ودمها قد صار يغلي من الحنين ..لم يكن أمامها من حل آخر ..عليها الاقدام على الأمر وبسرعة وإلا سيتلاشى حبها له خلال وقت قليل فمن يغذي ذلك السمّ  سوى الذكريات ..وجهه يلاحقها في كل مكان ويبعث الطمأنينة في نفسها..
هو معها أينما كانت ولذلك لم تعرف الوحدة لها طريق وأما الآن فقد احتاجت لرؤيته ..الإمعان بتقاسيمه ..الغرق في عينيه والبعد قدر المستطاع عن شاطئ الأمان..ابتلعت الكبسولة وغرقت في نوم عميق..
كان يقف بجانب النافذة ..يتأمل المشهد  
المُطِلّ ووجهه خال من أي تعبير ..نادته باسمه فلم يحرك ساكنا ..
اقتربت إليه بهدوء ووضعت يدها على كتفه ..
-إنها أنا قالت ، بشوق لا يوصف
-لقد كنت أنتظرك ..أجابها بهدوء
-لم لا تنظر إلي؟ 
-يتوجب علي إيقاف الأمر ..يجب أن تنسي أمري لمصلحة الجميع..
-لم القسوة؟ ..أنت لا تفهم شيئا..
-بلى ولكنك تسيئين تطبيق القوانين ..
-تبا للقوانين ..لم أعد أكترث ..
سكتا لمدة طويلة واقتربت هي من النافذة علها ترى ما يسلبها نظرة عينيه ..في طريق ترابي تحيطه الأشجار لعب طفل وطفلة بكل براءة وبكل حرية وبكل نقاء وصفاء وحب   ..وتسارع الوقت ورأتهما يكبران واستمر لقاءهما إلى أن افترقا .
-لم يرحلان كلٌّ في طريق ؟
-إنها القوانين ..
-هل هما ؟..
قاطعها بحدة وقال :
-لا داعي للخوض في الأمر فأنت تعلمين كل شيء
-وماذا عن حبهما؟
-لا تكوني ساذجة من فضلك ..هذا يُصَعِّبُ الأمر عليّ أكثر ..
أمسكت بكتفيه وجعلت تهزه بعنف شديد ..
-استيقظ وانظر إليّ صرخت في وجهه.. 
فعل كما طلبت فتراجعت إلى الوراء من هول ما رأت..
كانت عيونه خالية من أي شعور ..باردة كالجليد ..خاوية يطل الموت منها..
-ماذا فعلت بك القوانين ؟! كيف تمكنوا منك أيضا؟
-ماذا تظنين كان ليحصل بيننا والأعين تحاصرنا..
كان يجب أن أجعله ينتحر ..
-أيها الغبي ، لقد قتلت نفسك وقتلتني معك ..
-كان الأمر سيحصل عاجلا أم آجلا ..
التفتت للوراء وبدأت تركض.. 
-أين تذهبين ؟
-سأصلح كل شيء هدمتموه بقوانينكم البلهاء..
استمرت بالعدو ،خرجت من المبنى وركضت إلى أن وصلت إلى الطريق ونادت كليهما من بعيد ...لقد كانت بذلك تخالف كل بند من تلك البنود وهي تعلم عاقبة الأمر ولكنها صرخت باسميهما معا ووقفت  تنتظر المعجزة لتحصل ..وبينما كانت تنتظر رفعت نظرها إلى النافذة ..كان ما زال هناك يحدق بها بجنون وكأن فعلتها أيقظت به شيئا كان قد مات فيه ..وفجأة عاد الراحلان والتقيا عندها فابتسمت للنافذة ابتسامة منتصر وهوت إلى الجحيم .. 


29/10/15


28/10/15
لربّ مشاحنة تقود لسبيل الحب 

كنت على سرير المرض أشكو صداعا ألمّ بي منذ مدة ..كانت حياتي صاخبة منذ أن عرفتها ..تلك الجميلة بضفائرها الشقراء وشالها القرمزي ..لوني المفضل على الإطلاق ..جلست إلى جانبي تخفف عني وتمسح على جبيني وكان ليدها ملمسا سحريا يخفف من شدة الألم في رأسي ..
أصرت على أن تحكي لي قصتنا من جديد وعادت بي كلماتها عشرين سنة إلى الوراء ..
كان ذلك يوما خريفيا تئن فيه الرياح وهي تراقص أغصانا عارية من أوراق سقطت طريحة الأرض العطشى..كان وجه الأرض مكسوا بالأحمر وذكرني ذلك بوجه امرأة أصرت على أن تكسو وجنتيها بمسحوق برائحة الموت يجعلها تبدو أجمل فكان لها ذلم وفتنت كل من رآها بالحياة في وجهها ..كنت أقف بسيارتي بين الزحام وبينما أنا غارق بأفكار شتى لأشاركها مع طلابي في الكلية نظرت إلى المرآة الأمامية لأعدلها فلمحتها ..شابة في مقتبل العمر تغني وتضرب المقود بحركات يبدو أنها تتلائم مع إيقاع الأغنية التي دوت من الخلف في سيارتها ..كانت تفعل ذلك بكل حرية كأنها لوحدها في الطريق ووصل إلى أسماعي كلمات الأغنية فلم ترق لي أيضا ..لعنت جيل اليوم وأشحت بنظري عنها ..
دخلت الصف ورحبت بالطلاب ..بعضهم كان مألوفا من سنين سابقة وبعضهم كان جديدا ..سجلت الحضور ونطقت باسم كان له وقع خاص على النفس ..بحثت عن صاحبة الاسم فإذا بها مطربة الصباح ..تجلس في السطر الأول وترفع يدها لأنتبه لها فعضضت على شفتي بامتعاض واستسلمت للانطباع الأول الذي شكلته عنها ..
كنت أدَرِّسُ الكتابة الإبداعية وطلبت ممن لا يرى في نفسه القدرة على الكتابة أن يوفر على نفسه العناء ويرحل ..شرحت عن الإبداع وفلسفته وبدأت أشرح عن الاستعارة ..كنت أعتمد على عرض محوسب وبه صورتان ،إحداها لامرأة عجوز والثانية لكلب ووضحت وجه التشابه بين الصورتين  ..فجأة ومن دون سابق إنذار رفعت نفس الشابة يدها وأعطيتها الإذن لتتكلم فقد كنت قد أنهيت تقديم فكرتي وإذا بها تقول :
-هل هذه العجوز على قيد الحياة ..
اعتبرته سؤالا غريبا فقلت:
-هل أنت تسألين أم تجزمين ؟
فقالت بغضب  :
-أنا أسأل فقط وذلك لأَنِّي لا أعلم كيف تسمح لنفسك بأن تقارن إنسانا بحيوان !
أمعنت النظر فيها وبحثت عن مخرج من هذه الورطة فقلت :
-لا أعرف إن كانت هذه العجوز  على قيد الحياة 
وتهربت من النظر إليها وسمحت لطالب آخر بالكلام ومضى القسم الأول من المساق وذهبت في الاستراحة إلى مكتبي وكلماتها المتأججة غضبا لا تفارقني ..لم أُعِد النظر في عرض الصورتين لأَنِّي أستعملهما  منذ وقت طويل وكانت هذه طريقتي في شرح وجه الشبه ولكنها كانت المرة الأولى التي أتجاهل سؤال أحد الطلاب بهذه الطريقة كما أن صورتها التي كونتها عنها منذ الصباح تضعضعت وتغيرت فهي انقلبت فجأة إلى مدافعة عن حقوق البشر وظللت أفكر فيها وقررت أن أعالج الأمر بطريقتي ..عدت إلى غرفة التدريس ،بحثت عنها بعينيّ وبعد أن دخل الجميع وجهت إليها الكلام وسألتها نيابة عن باقي الطلاب إن كانوا قد تعلموا عن الاستعارة في مساقات أخرى ...نَظَرت إلي وعلى وجهها ابتسامة غامضة ..كانت عيناها تنطقان وتعاتبانني على ما ارتكبت وبقيت أنظر إليها من غير إدراك للوقت وبعدما استعدت وعيي غضبت وبحثت عن آخر يجيبني على سؤالي ..واستمر شعوري هذا لأيام طوال لم تغب فيها عن ذهني ..كيف استطاعت تلك الطالبة أن تهينني أمام الحاضرين وبكل وقاحة..كانت مشاعري مختلطة فأنا الذي ذبت أمام نظرتها وانقطعت عن كل شيء من حولي إلا منها.
كانت عيناها جميلتين كما اعترفت بيني وبين نفسي وتمنيت لو أنها تترك المساق لتتركني فأرتاح ولكنها لم تفعل بل وحصل ما كنت أتهيبه فكلما كنت ألقي على كاهل الطلاب بوظيفة في الكتابة كانت كلماتها تسرقني من نفسي وتجعل مني أسيرا لها ..
واستمر الأمر على هذا الحال وكم حاولت أن أتجاهلها فلا أنظر باتجاهها ولكني فشلت فشلا ذريعا في ذلك فكنت أحتاج لأن أقرأها كل مرة من جديد فكانت كرواية صاحبة فصول عديدة ،تزداد تشويقا في كل لحظة، وحل الشتاء فازدادت روعة ورافق وجنتاها  احمرارا دائما من البرد فقد كانت ناصعة البياض  وأصبحت أنتظر كتابات ذات الجديلتين على أحر من الجمر فباتت زادي وتعلقت بها تعلقا شديدا وكنت أعلم أنها تظن أني لا أستلطفها فحاولت تغيير ذلك بالملاحظات التي كنت أملأ بها دفتر كتاباتها الأسبوعية وأصابتني حمّى الحب وكرهتها لأنها كانت السبب في فقداني لتوازني في الحياة ..
واقترب المساق على الانتهاء وعلمت أني لن أقوى على الحياة من دونها فقررت أن أدوس كبريائي وأن أفاتحها في الأمر بل وأطلب منها الارتباط بي رسميا فجاء جوابها بابتسامة خجولة باحت لي فيها بحبها وعرفت منها لاحقا أنها أحبتني أيضا رغم اختلافاتنا وهي اليوم زوجتي التي لا أستعيض بغيرها عنها أبدا ولرب مشاحنة تقود لطريق الحب ..

26/10/15


مكتب تعارف 
تجمع بعض الأطفال حول أحدهم والذي كان يملك جهازا ذكيا وتعالت صيحاتهم: 
-الله لا يوفقك!!
استوقفتني كلماتهم فوقفت على مقربة منهم لأسمع مصدر استنكارهم ودعائهم هذا فلما لم يصدر عنهم ما يبرر كلامهم وحدته سألت أحدهم 
-عمين بتدعوا؟
-عالقلب في اللعبة
-ليش ؟
-لأنه بظل ينكسر 
ضحكت من كلامهم فبينما كان معناه حرفيا خطر ببالي أنا المعنى المجازي له والذي لم يكن يعنيني فقد سلم قلبي من آفات القلوب وغنمت لعدم مروري بتجربة حب فاشلة لم يصلني عطبها ولم يتسمم فؤادي على أثرها ولكم تهكمت على المحبين ووصفتهم بأنهم ضريري المجتمع فهم لم يروا سوى محاسن الحبيب بينما كانت المساوئ تنتظر أول لحظة ارتباط لتقتحم السلام المخيم عليهم.
كنت في طريقي وبناءا على رغبة أمي إلى مكتب تعارف وجدت لي فيه زوجة مناسبة بمواصفات تلائم توقعاتها هي ..عندما أطلعتني على الفكرة واقترحت علي الذهاب غرقت بضحكة من القلب على سذاجتها فكيف تتوقع مني أنا المثقف المتعلم أن أتوجه لمثل هذا المكان وأتزوج إحداهن بينما لا أعرف عنها شيئا .كان الأمر غير عقلاني بالنسبة لي ولكني كنت أرفض إغضاب أمي فوعدتها أن أذهب وأفحص إن كانت مرشحتها تلائمني .ولكني لم أعدها بأن تنتهي القصة كما تتمنى هي .
توكلت على الله ،وذهبت وأنا أنتظر أن أقع بموقف أضحك منه طيلة حياتي ..في المكتب استقبلتني موظفة جميلة ذات جديلة طويلة تلفها حول رأسها 
بشكل لفت انتباهي ..سألتني عن كلمة السر والتي ستدلها عن أي مرشحة أبحث فأخبرتها بأنها الحب فقادتني لغرفة مظلمة وقالت لي بأن نصفي الآخر تنتظرني منذ حوالي نصف ساعة ..نظرت إلى معصمي ووجدت أني تأخرت فلم أكترث لهذا فالقضية كانت محض لعبة بالنسبة لي ثم تساءلت عن سبب كون الغرفة مظلمة ورجحت بأن نصفي الآخر ستكون غلطة جسيمة اقترفتها أمي في حقي فيبدو أنها من القبح مما أرادت أن تخفيه عني ..ودخلت أتلمس طريقي وأبحث عن كرسي أرتمي في أحضانه لحين تنتهي هذه المقابلة .
-هل تؤمن بالحب من أول كلمة ؟
جاء صوتها رقيقا ولولا سؤالها السخيف لأقسمت بأن خفق قلبي تغير 
-أنا لا أؤمن بالحب فهو مجرد تغييرات كيميائية تنتهي صلاحيتها بعد ثلاث سنين 
-هل تؤمن بالقدر ؟
قلت لا لأَنِّي أؤمن بأن الحياة هي سلسلة من القرارات تقودنا إلى نتيجة هذه الخيارات .
-هل تؤمن بأن لكل منا نصف آخر من غيره يحيا الحياة بشقاء ؟
أجبتها بأن هذه مصطلحات فلسفية فارغة من أي منطق وأن الحياة معادلة حسابية يمكن إضافة عوامل عديدة لها من غير أن يكون مصيرها معلقا بشخص واحد .
سمعت كرسيا يتحرك وشخصا ينهض. 
-لماذا تذهبين؟ 
-لأنك لا تؤمن بما أؤمن به ولا أمل بأن تلتقي بنصف الطريق.. 
رفضها أزعجني فقد كنت أتوقع أن يأتي الرفض من طرفي وليس أن أكون أنا المرفوض 
-لحظة ..ربما يمكننا التحدث قليلا 
-ليس هناك ما نتحدث عنه .نحن مختلفان كالليل والنهار وأنا في الحقيقة ليس لدي وقت أضيعه مع شخص مادي مثلك.. 
مرت من أمامي ووصلتني رائحة عطرها وكان يحمل خليطا من أزهار الربيع ..وخفق قلبي مجددا بنحو لم آلفه ولكن كبريائي منعني من أن أستوقفها أو أطلب منها أن نحاول الحديث مرة أخرى ورَحَلَت وبقيت وحدي في الغرفة ولم أعد وحدي كما كنت فقد سكنتني تلك الغريبة الغامضة  وتذكرت كلام الأطفال وعلمت أن قلبي قد كُسر وأن الدواء كان يجلس أمامي قبل قليل والآن وقد مضى فإنه سيكون من الصعب جبر فؤادي.
وخرجت من المكتب كشخص آخر تتعلق سعادته بشخص  لا أعرف عنه شيئا وتذكرت أسئلتها وما عدت أذكر شيئا سوى أني أؤمن بكل ما قالت وبقوة ....

25/10/15
كتابة
تعالت الأبخرة من كأس الشاي الذي حضرته خصيصا لهذه المناسبة..منذ مدة لم يتسنّ لها أن تجلس وحدها في مكتبها الصغير والذي كان منعزلا عن باقي أقسام البيت الذي جمعها بزوجها.
كانت الكتابة مجرد هواية تروّح بها عن نفسها ففي وجهة نظرها كانت للكتابة قدرة سحرية على الشفاء من ضغوطات الحياة والإعياء الذي ينجم عنها في بعض الأحيان وفي سبيل المتعة قررت أن تحاول نشر بعض من كتاباتها في موقع على الشبكة العنكبوتية اختارته بعناية لأنه يناسب مستوى كتابتها المتردي برأيها فإيمانها بموهبتها كان ضعيفا جدا.
أرسلت الخاطرة الأولى بتردد وتوقعت ألا يتم نشرها وفوجئت عندما طُلِب منها أن تبعث بصورة شخصية لها لنشرها مع الخاطرة في صفحة الأدب في الموقع .وبدأت تبعث موادا للنشر بشكل دائم وكانت عملية النشر بسيطة جدا فكل ما كان عليها فعله هو إرسال المادة عبر البريد الألكتروني وانتظار نشرها ولم يكن هناك من يرد على بريدها أو يتواصل معها من العاملين في الموقع وبدا الأمر مريحا جدا .
وبعد مضيّ أشهر على تلك البداية ، مرضت مرضا ألزمها الفراش لفترة طويلة فلم تعد تكتب وعندما استردت عافيتها أرادت فحص بريدها فوجدت عشرات الرسائل من رئيس تحرير الزاوية الأدبية لذات الموقع وفيها يتساءل عن السبب الذي منعها من الاسترسال بالكتابة .
كانت الرسالة الأولى رسمية جدا ولكن باقي الرسائل كانت فائضة بالمشاعر وفيها حاول المحرر الاطمئنان على صحتها .قرأت جميعها بشغف وفرحت لأن هناك من يعتبر كتاباتها جيدة بل ويبدو أنه يشتاق لمثل هذه الكتابات وفي الحال أرسلت له رسالة تشكره فيها على اهتمامه بها ووعدته على أنها ستقوم بالكتابة قريبا .وبعد مرور دقائق معدودة استلمت منه رسالة يعرض فيها عليها أن تعمل كمساعدة محرر عنده مقابل أجر وطلب منها أن تقابله في مكتب الموقع .حدثت زوجها في الأمر ووافق هو بعد أن رأى تحمسها للموضوع بأن تسافر لمقابلة المحرر الذي استقبلها استقبالا حارا واتفقا بأن تبدأ العمل في نفس اليوم وبدأت تراه بشكل يومي وتكتسب منه خبرة في المجال وكانت العلاقة بينهما علاقة عمل لا أكثر إلا أنها كانت تشعر أحيانا أنه يوليها اهتماما أكثر من غيرها لكنها لم تكن متأكدة .
وفي يوم حددا لقاءا لمناقشة تجديدات ستتم في الموقع وحين حضرت في الموعد كان هو في مقابلة مع غيرها من العاملات وانتظرت هي خارج مكتبه واستمعت بغير قصد للحديث وبدأت تشعر بشعور غريب عنها فقد كان هو يضحك بكل حرية وكانت هي تشعر بأن نارا تتأجج في داخلها وبدأت تفهم ما يجري ولم تستطع مواجهته بعدما اكتشفت أنها أغرمت به وأنها شعرت بالغيرة عليه فقررت أن تهرب لئلا تفصح عيناها له عن الحقيقة ..كان اكتشافها يشعرها بالذنب وخاصة بأنها متزوجة ففي كل سنوات زواجها لم تشعر أبدا بما شعرت به اتجاه المحرر .قررت الاستقالة من دون تقديم أسباب لهذا القرار وابتعدت عن حبيبها وانقطعت عن الكتابة لفترة حتى ظنت أنها شفيت منه فجلست لتكتب من جديد فطاردتها المشاعر من جديد وتحولت الكتابة إلى ساحة معركة تتضارب فيها أحاسيسها وتتناحر فهجرتها بلا رجعة ...

24\10\2015
بنك ضحايا الحب
في بيتي الكائن في وسط حي الورود جلست أقلب صفحات الجريدة ..كنت طبيبا نفسيا خبيرا أعمل في عيادتي الشخصية والتي أستقبل فيها المرضى الذين يراجعونني من شتى البلاد .لم تكن الحالات مستعصية أمام قدرتي بالأخص أن لي باع طويل في المهنة وبينما كنت أقرأ العناوين لفت اهتمامي إعلان لوظيفة شاغرة في مكان جديد يدعى "بنك ضحايا الحب" ..ضحكت من الاسم وسرت روح التحدي في نفسي بالذات لأن العنوان شدد على أن الحالات في البنك من أصعبها في العالم ولم يستطع أي طبيب المساهمة في شفائها. قررت أن أقدم طلبا للقبول وأرسلت للبنك سيرتي الذاتية وقُبِلْتُ بدون مقابلة شخصية كالمتوقع..مرت الأيام وحققت نجاحا باهرا في البنك وتحسنت معظم الحالات بعد بضع جلسات كرستها لكل حالة ..وفي يوم صادف اليوم الأول للربيع أعلمني مدير البنك على أن هناك حالة جديدة تسترعي اهتماما خاصا وأن عليّ محاولة كل الطرق لمعالجتها ..ابتسمت بسخرية وغرور وطمأنته ووعدته أن تخرج الحالة من البنك قبل انتهاء الربيع.
توجهت للغرفة رقم سبعة وخمسين ،طرقت الباب ودخلت .كانت الحالة امرأة في الثلاثين من عمرها لم تكن جميلة ولم يكن بمظهرها ما قد يجذب أحدهم فكتبت في دفتري أن سبب المرض قد يكون الرفض أو حب من طرف واحد ..
جلست على الكرسي وبدأتُ الجلسة ،سألتها عن اسمها فلم تجب فطلبت إليها أن تخبرني بقصتها فلم تجب أيضا لكنها ناولتني كتابا اتضح لي بعدما فتحته أنه دفتر مذكرات يخصها ..أخذته وخرجت .
في الدفتر انتظرتني قصتها ..لقد كانت طبيبة فيما مضى كرست حياتها لمرضاها ولم تكترث لأي شيء آخر إلى أن وصل هو إلى المشفى ..كان مديرها في العمل والذي عُيِّنَ مؤخرا ،في العقد الرابع من العمر .متزوج وله أطفال  ومن اللحظة الأولى التي رأته فيها أغرمت به وكأنه أحس بذلك فحاول أن يقسو عليها حتى تنساه ولكن حتى قسوته لم تزدها إلا تعلقا به ورغم الحب استمرت في مسيرة عطائها لمرضاها واحترم هو فيها ذلك وكان كلما يرى كيف تعاملهم وبأي ود تتعاطى معهم كان يراها بضوء آخر ونجح في تجاوز شكلها وذابت طبقات القسوة المفتعلة عن قلبه وأغرم بها هو أيضا فأحس بالذنب لأن هذا الحب أخذ مكان حبه لزوجته وأصبح يكرس وقته كله للمشفى وازدهر القسم الذي كانا يعملان فيه سوية ..وكانت هي بالجبن الذي لم يسمح لها أبدا بأن تفاتحه بالأمر وكذلك الأمر بالنسبة له إلا أن الانسجام بينهما بات واضحا ولطالما تبادلا الضحكات على أمور مشتركة بينهما ولم يعترفا أبدا بما يكنه الواحد من مشاعر للآخر.
ومضت السنوات على هذا الحال وكان كل منهما يزداد تعلقا بالآخر حتى قررت إدارة المشفى نقله هو إلى مشفى آخر ..جُنّ جنونهما ولكن لم يحاولا تغيير مسار القدر فافترقا وبعد الفراق مرضت هي وتطور مرضها الصحيّ إلى مرض نفسي وعانت من الذهان وبدأت تراه في كل مكان تحدثه ويحدثها واستمرت بالعمل إلى أن بدأت ترتكب أخطاءا وتضرر بعض مرضاها فرفدت ولاحظ أقرباؤها بمرضها فنقلوها إلى بنك ضحايا الحب.
بعد قراءتي لقصتها علمت أن وضعها سيّء فهي ترى حبيبها ماثلا أمامها كل يوم تكلمه ويكلمها وَمِمَّا زاد الوضع سوءا هو أن الدواء الذي وصف لها لم يكن ناجعا ولم يفد في حالتها.قررت أن أكرس عدة جلسات لها وطلبت إليها أن تنقل لي كلام ومشاعر حبيبها فتجاوبت معي وبدأت أتعرف على شخصيتها .لقد كانت الطبيبة من أرق من عرفت من النساء وكانت مشاعرها نحو حبيبها عارمة وفي كل جلسة كنت أراها كما فعل هو بضوء آخر ..وتعرفت على اهتماماتها الكثيرة فوجدت الكثير من الأشياء المشتركة بيني وبينها ووقعت في حبها من غير أن أدري ورغم كل الحواجز التي حاولت بناءها بيننا ..صبرت مدة طويلة قبل أن أعترف لها وعندما فعلت انفجرت بضحكة ساخرة وجننت أنا من ردة فعلها وسألتها لم تضحك فأجابتني بأنها مجنونة وأن عليه الابتعاد عنها قدر المستطاع ..قررت الاستقالة وحاولت أن أنساها ففشلت وبدأت أتهيؤها أمامي وأتكلم معها وزاد وضعي سوءا ولم أعد أنجح في علاج الحالات التي كانت تصلني وفشلت فشلا ذريعا في علاج حالتي التي شخصتها رغم أني كنت أنا المريض وقررت أن أعود إلى بنك ضحايا الحب لكن المرة كمريض .

بتصرف عن قصة ،
ان العيد يطرق الباب وخرج كلاهما في نفس اللحظة من بيتيهما الواقعين بأماكن مختلفة في العاصمة لشراء هدايا العيد ..وفي ذات المجمع التجاري قاما بالدخول لنفس المتجر ..غريبان تامان عن بعضهما ورغم ذلك أبى القدر إلا أن يجمعهما بظروف فاقت العادة ..في المتجر استبدل أحدهما كيسه بكيس الآخر وانتبها لذلك في آخر لحظة فابتسما بخجل  ..أخذ كل واحد كيسه ومضيا في اتجاهين متعاكسين ..
بعد هذه الصدفة بأشهر شاءت الأقدار أن يلتقيا في القطار حين جلسا في نفس المقطورة وتعرف كل واحد على الآخر رغم قصر لحظة لقائهما الأولى ..بدآ بالحديث مع بعضهما ..آنا متزوجة من طبيب وجون متزوج من ربة بيت وبدأت أواصر الصداقة البحتة تتكون بينهما ومع الوقت تطورت الصداقة لحب ..وكانا يركبان نفس القطار يوميا 
فكان لديهما الكثير من الوقت للحديث بشتى المواضيع إلا موضوعهما فقد كان بينهما تفاهم على أنهما لا يبحثان عن علاقة غير شرعية ورغم ذلك بات العشق بينهما واضحا ..مع مضي الوقت بدآ يفهمان أنهما وقعا في ورطة وأنه لا يمضي يوم من غير أن يفكر أحدهما بالآخر فقررا الافتراق بلا عودة بل وأخبرا شريكيهما في الحياة بعلاقتهما البريئة ..مع مرور السنوات افترق كل منهما عن قرينه لأسباب متعددة من غير أن يعلما بذلك ومن غير أن يكون بينهما أي رابط..ولكن كما جمعتهما الصدفة مرة ..جمعتهما الحياة مرة أخرى في القطار والباقي تعرفونه ..
22/10/15





في بيت المسنين الذي بدأت أعمل به في المدة الأخيرة يسكن رجل عجوز ابن ثمانين عاما ..مبتور القدم ..رث الملابس ..أشعث الشعر ..لا يتقن العربية ويتواصل مع الطاقم بالإشارات وبلغته الأم التي يعرفها قسم من العاملين ..
عندما قمت بفحصه لأول مرة تحريت عنه وعرفت أنه كان كاتبا في السابق وأنه نشر عدة روايات اكتسحت السوق في حينها ،لاقت رواجا بين القرّاء وترجمت لعدة لغات منها العربية  .
ومنذ أن علمت ذلك حفظت له مكانة خاصة في قلبي ،زاد تقديري له وأحطته بعناية خاصة .بالأخص لاني كنت أعجبه أيضا فكان كلما دخلت القسم يلاحقني بنظراته ويلقي لي بكلمات الغزل بلغته والتي كانت تترجمها لي جارته وهي تضحك،فكان يرسم الابتسامة على شفتي.
وفي أحد الأيام كنت في دكان الكتب المعهود الذي كنت مدمنة على دخوله فراودتني نفسي أن أبحث عن روايات لقاطن بيت المسنين وبعد أن فتّشَتِ البائعة مليا وجدت رواية واحدة قديمة بعنوان "رسائل عبر الريح " وهي آخر رواية للكاتب .قفزتُ من شدة الفرح ..دفعت ثمنها وخرجت مسرعة للمكتبة العامة حيث كنت أهرب أحيانا من شوشرة الحياة لألتهم الرواية ..
على الغلاف أطل اسم العجوز بالإضافة إلى اسم أنثوي رافق المؤلف في الكتاب ..قلبت الصفحة الأولى والثانية والثالثة ووجدت بها مقدمة كتبها المترجم وفهمت منها أن المؤلفة التقت المؤلف في حفل توقيع رواية جديدة تخصه وبعد أن وقع لها الكتاب وقد كانت آخر الحاضرين دعته لفنجان قهوة فلبى الدعوة رغم أن الوقت كان متأخرا وفي المقهى سرت ذبذبات بين الاثنين وتوافقت روحاهما واقترحت هي عليه أن يكتبا رواية سوية فقد كانت لها محاولاتها في الكتابة أيضا فوافق هو على الفور واقترح أن يتم الأمر عبر رسائل يتبادلانها عبر البريد ..وفي كل رسالة كانت العلاقة بينهما تتوطد أكثر فأكثر واشتعلت جذوة الحب بينهما عبر الكلمات اللاتي أحسنا استخدامهما فكانت كمشرط العمليات تقطع المسافات بينهما وتختصرها لتقرب بينهما ..وكانت الرسائل تتوالى والرواية تأخذ هيئة وشكلا ثم اتفقا على اللقاء لأخذ قرار فيما يتعلق بنهاية الرواية ..وحضّر هو نفسه وعقد العزم على أن يطلب منها الزواج وانتظر لحظة اللقاء بشوق ..وفي نفس المقهى جلس هو ينتظرها ومرت الساعة تلو الساعة وشريكته لم تصل  ثم علم في الغد بأنها فارقت الحياة بحادث طرق، فوقع عليه الخبر كالصاعقة ولم يعرف كيف يمكنه العيش من غيرها فقد اعتاد وجودها في حياته وبعد فترة من الأسى عاشها من دونها قرر العودة للرواية ونشرها كما هي من  دون نهاية ولم يتزوج هو أبدا وكلما كان يشعر بالشوق لها كان يعود لرسائلها ويعيد قراءتها وهنا انتهت المقدمة  ..
عدت لبيت المسنين في اليوم التالي وتوجهت إليه وناولته طردا أعددته له ..فتحته من أجله بعدما أشار أنه يصعب عليه ذلك وأعطيته محتواه ..لمس العجوز الكتاب وقد كان كتابا  ..قرأ العنوان بصوت مرتفع وضج في البكاء .. من شدة تأثري بالقصة الحزينة قمت  بالبحث في أكثر من مكتبة حتى وجدت له الكتاب بلغته الأصلية ..بعدما هدأ قليلا وجه إلي نظرة كلها امتنان وشكر .ربتت على كتفه ومضيت في طريقي ..

21/10/15
حيفا
على شاطئ البحر في حيفا وقفت وتابعت السفن البعيدة وهي تبتعد أكثر فأكثر فآلمتني المسافات التي تفصلني عنه..هو رجل ككل الرجال ولكن فيه من التناقضات ما لا توجد في العادة بأي رجل فهو شاعر له قيمته الأدبية والشعراء كما كنت أعلم لا يمكن حصرهم بإطار فهم عبيد للحرية وإن سجنوا فسيذون وتذوي معهم موهبتهم.. قلبه كان مفتاحا لكنوز أدبية تابعتها بانتظام وإن قلّت في فترة معينة لأسباب لا أعلمها..مشيت على الشاطئ وأنا أبحث عن شيء خاص فقد كانت هوايتي جمع الطوابع والأشياء النادرة ولربما كان في هذا سببا مهّد لكل ما اعتراني بعد رؤيته لأول مرة.
كان يمشي بسرعة فائقة ولم لا وهو يعرف وجهته في الحياة وقد حددها من قبل سنين وحارب من أجل أن يصل إليها وكان يمضغ العلكة بلا مبالاة..نظرت إليه وعرفت هويته من هيئته ومن لغة جسده وبدأ كل شيء يتغير وتذكرت من كتب لي أول تعليق في موقع نشرت فيه قصيدة بائسة ومن دون أن أعرف لماذا ربطت بينه وبين صاحب التعقيب بل وتيقنت من الأمر لشعور داخلي وبدأت رحلة البحث عنه وكنت أجد تعليقاته القليلة بكل سهوله فكأنما رؤيته جعلتني أقرأه وأميز أسلوبه عن الجميع ..هو صاحب فكاهة وأسلوب أدبي متهكم بل وقاس في بعض الأحيان ولم لا وهو ملك في عالم الأدب ..في مرة تجرأت أن أكتب له ردا على تعقيبه وحين التقينا في الغد حاول أن يعرف بطريقته إن كنت من رد عليه فكأنه شك في أمر براءتي المفتعلة ولا أدري كيف عرف  رغم أني استعملت اسما مستعارا كما يفعل فرمقته بنظرة أفصحت له عن كل ما أخفي بلا كلام لكنه لم يبادلني النظرة بنظرة مشابهة فأسفت على أن الحب جاء من طرف واحد.لم ألُم نفسي أبدا على اعترافي ولا على أني عشقته فكيف لي ألا أغرم بشخص قرأت كل أشعاره وتعرت روحه أمامي لأراها على حقيقتها شاعرية وواقعية في ذات الآن محبة وكارهة ،سعيدة ومتألمة ،حرة وملتزمة وكم فضلت له قصيدة قصيرة أحفظها عن ظهر قلب تساءل فيها عن كنه الحب فلكأنه لا يدري رغم خبرته ما الحب وليته سألني يوما لأقول له أن الحب هو ما يجمعني به ..سر وجوديّ يجعل الواحد يستشعر بوجود الآخر في أي مكان ..هو الصدفة التي جمعتني به حين التقينا في الموقف وكم حسبت الأمر من ناحية منطقية ولم أجد لها تفسيرا فإني إن كنت تأخرت لدقيقة لم أكن لأراه وإن هو لم يدفعه الفضول للنظر في اتجاهي الذي لم يكن في ناحية وجهته لم يكن ليراني ..
ومضت الأيام وعييت مجددا بسببه واختفيت لمدة حتى أقلع عن حبه لأن الأمر قد بدأ يتوضح للجميع فأنا شفافة بطبيعة الحال وتتأثر صحتي بصحة مشاعري  وقد شك من حولي بالأمر وتساءلوا لم يعود لها المرض بنفس أعراضه مجددا  لكني كنت ممثلة بارعة أخفي حزني بضحكة لم تصل لعينيّ وكنت أكذب على الجميع وأحاول النسيان ونجحت في ذلك عبر كلمات صغتها وروايات قارصة البرودة قرأتها ذكرتني بأن الحياة ليست عادلة..
اليوم هو بعيد وأنا أشق طريقي في عالم الكتابة ومؤخرا استطعت كتابة نوع أدبي مختلف يساعدني على الشفاء منه  أكثر عبر الكلمات ..لم نعد نلتقي وليس هناك أمل بأن نلتقي فقد غيرت مكان عملي لأبتعد عنه وإن كنت ما زلت أقرأ تعقيباته وأبتسم حين أجده في موقع أو بآخر ..
حيفا وحيدة أيضا فهي لم تتزوج أبدا من محبيها الكثر وظلت تحافظ على جمالها لحبيب لا أعلمه وسأقتدي بها حتى نلتقي ...

19/10/15
سأحيا من أجل الموت 

كان يوما اعتياديا كأي يوم ..استيقظت في الصباح ..ودّعت زوجتي وأبنائي وتوجهت للعمل .
لم يكن ليخطر أبدا ببالي أن اليوم كان سيحمل معه رياح مفاجأة عظيمة وأن أحداثه ستقلبني رأسا على عقب ..مرت الساعات في العمل مملة  روتينية رتيبة  إلى حد قاتل ..تناولت الفطور الذي حضرته لي قرينتي وتحدثت مع زملائي عن أخبار الساعة وبعد انتهائي من واجباتي جلست في مكتبي الصغير أتصفح جريدة البارحة ..كان هذا طقسا يوميا اعتدته وكنت أطبق فيه القول الشائع لا تبك على حليب سُكِبَ أبدا وأسعدني أن العناوين التي تحمل أخبارا سيئة هي من الماضي وأن تأثيرها على الحاضر يتلاشى شيئا فشيئا ..خرجت من الشركة واستحضرت أمامي مكان سيارتي فقد كانت قدرة الذاكرة عندي ضعيفة وقد نصحني أحد الأطباء على استعمال الذاكرة البصرية لأتملص من صعوبات التذكر ..وأنا أمشي رأيت أحدهم يقف أمام السيارة ويلوح لي فتبادر إلى ذهني أنه أحد العاملين يحتاج إلى توصيلة فلعنت الساعة التي خرجت بها من العمل ..كنت رجلا في السادسة والخمسين لم يهوَ الاختلاط بالغرباء ولم يحبذ وجودهم معه ..
تابعت المسير بحنق حتى وصلت إلى وجهتي القريبة ووجهت كلامي إلى الرجل الذي بدا من قريب فاحش الثراء وسألته إن كان يحتاج خدمة  ...
وجه إليَّ الكلام :
-هل أنت المدعو فلاني ؟
أجبته بإيجاب وتساءلت عن سر لهجته وعلمت منها أنه من منطقة بعيدة.
-أحتاج التكلم معك بأمر مهم ،هل لديك بضع دقائق ؟
سألته عن هويته فرد علي بأنه محام من العاصمة جاء إليَّ  بمهمة تنفيذ وصية لشخص أوكل إليه إياها قبل رحيله ..
اتفقنا على الجلوس بالسيارة وبدأ الفضول يلتهمني لسببين أحدهما كان أني أردت أن أعرف من المتوفى لأنه لحد علمي لم يمت شخص له صلة قرابة لي والسبب الثاني كان فحوى الوصية وإن كان سينجم عنها ربح مادي لا أحتاجه فالحالة ميسورة والحمدلله ...
لم يخلد بذهني أن الموضوع خطير وأني لن أعود كما كنت بعد تنفيذ الوصية ..
في السيارة ، ناولني المحامي ظرفا وصندوقا خشبيا احتصنتني رائحته الغارقة بعطر الورود .
وقال اقرأ ..
ولكنني ترددت كمن بدأ يعرف عن سر الوصية فالعطر أيقظ حواسي وأرجعني لزمن بعيد التقيتها فيه وبدأ قلبي يخفق بشدة وفتحت الظرف ببطء وبحرص تامّ على ألا أمزق خطأ محتواه...
يا الهي تساءلت ..أيعقل حقا بعد كل هذه السنين؟! واغرورقت عيناي بالدموع ولم يهمني أمر الغريب الجالس بجانبي فقد كنت في موقف لا أحسد عليه وبدأت أشعر بعظم المصيبة ...
"عزيزي حبيبي قلبي كبدي وكل ما لم تشأ !!أنا حتى لا أعلم كيف أناديك فأنت لم تكن ملكي ولن تكون يوما ..إن كنت تقرأ كلماتي فاعلم أني فارقت الحياة بصمت من دون أن أخبرك عنّا ..لقد كنّا دائما معاً نحيا سويا نختلف قليلا نتشاحن كثيرا ونرجع لسبيل العشق ..لا تقلق فأنت لم تُجَنّ بل أنا التي جننت منذ قابلتك ..لم تكن تعرفني ولم تُبْد بي اهتماما أما أنا فقد وجدت فيك عالمي وأبحرت كل يوم معك في أزقة الكون  وحياتي بفضلك لم تكن مملة يوما فأنت غذيت شراييني بغرام مشوق في كل يوم مضى مُذ عرفتك ...لقد تزوجنا عشرات المرات في قصص عديدة ..لا لست مجنونة إلى هذا الحد ..ورجاءا لا تتوقف عن القراءة  وتحمّلني قليلا فأنا  لدي اعتراف أتجرأ على البوح لك به الآن بعد أن حررني الموت منك ..لقد كنتَ مرضا مزمنا لم تنفعني أمامه كل حلول الطب ..أحببتك عشقتك وحييت سنين وأنا أكتم الأمر لعلمي بأن غايتي مستحيلة والآن أصبحت حرة وبينما تطير بك كلماتي إلى سرّ حياتي أكون أنا قد تعقلت فالموت كما تعلم عتق من لوعة الهيام ..كنتَ لي ليلى وكنتُ قيس البعيد ..سأقرُّ لك يا سيدي بأحجية تساءل عنها كل من عرفني ..من يا ترى مُلهِمي ومن يا ترى أقصد بكل ما أكتب ولمن أوجه حديثي في كل رواية وفي كل قصيدة والآن حان الوقت لتعلم بأنك جعلتني كاتبة أفضل ويمكنني أن أقول لك بصدق أن كل قصائدي تستهدفك وأنك كنت المقصود ..
لقد أحببتك ..لكن لكل شيء نهاية إلا الأدب فإنه سيحيا وبما أنك لا تهوى القراءة فقد سجلت لك بصوتي كل القصائد والروايات والمسرحيات التي أهديتك إياها بقلبي..قد تتساءل لم عشقتك أنت بالذات ولم جعلت منك محورا أدور حوله بكلماتي وألفظ كل يوم يمضي  روحي لأنه من دونك ...ولكن مهما حاولت أن أشرح فلن تعلم ما الخاص فيك أهما عيناك العربيتان ..أهو شخصك المتقلب المزاج المبتسم دوما رغم ذلك ..لا هذا ولا ذاك سيدي بل إن الأمر يتعلق بمن جعلتني أكون بسببك ..أتعلم أني كنت أصبح أجمل حين أراك وأنا لم أكن أعرِّف نفسي على أني جميلة ولم أقبل أي إطراء يتعلق بشكلي في كل حياتي ..جعلتني فاتنة محبة للحياة متحررة من أي قيود ..علمني وجودك أن للحياة شكل وهيئة وأني كلما تجرعت العلقم بغيابك سأكتب أفضل ..أنت يا سيدي جعلتني كاتبة مشهورة مرموقة يشار لها بالبنان ..
لن أطيل عليك ..أعلم أنك لم تكن تعلم وأنك زوج مخلص وأنني لم آمل يوما أن تحبّني فأنا كنت مجرد ظل في حياتك ..ظل لم تعلم بوجوده أبدا ولا بأس بذلك ..لكن أحببت أن أشكرك حبيبي فأنا سأحيا إلى الأبد في قلوب قرائي وكل هذا بفضلك ..
سأهديك روايتي الأخيرة وفيها أحداث جمعتنا أحداث فرقتنا وفيها قصتي معك التي لم تحدث قط ..
لك حرية التصرف بالرواية التي ستحصد الملايين إن نشرتها وإن لم تفعل فهي ملكك منذ الآن..."

أنهيت الرسالة ولم أتمالك نفسي وأجهشت بالبكاء ..لقد كانت هي أيضا تحبّني ولم تتح لي الفرصة أبدا لأقول لها كم أكنّ لها من المشاعر ..أنا عاشق لها منذ اليوم الأول لكن كنت أخفي الأمر أيضا ...لقد كنت أقتني كل مؤلفاتها وأتابع أخبارها بانتظام حتى الآونة الأخيرة التي انقطعتُ عن ذلك لعلمي بأني أعيش وهما ..   ولطالما تساءلت عن سبب عدم ارتباطها ...ولكم كتمتُ من المشاعر المكبوتة حتى أمست الحياة مُرّة.. لكن الآن الأمر مختلف ..
لقد تركتني لكنّها أبقت لي أجمل هدية ..قسما من روحها سيحيا معي منذ اليوم  واعترافها برغم أنه جاء متأخرا جعلني من أسعد البشر ...لقد ربطتنا الكلمات بقيد سرمدي وإن استولى عليها التشاؤم وظنت أن الموت سيفرقنا فأنا سأحيا أنتظر أن نجتمع يوما في ظل الموت المحتم كالعشق بيننا ...
نعم ..سأحيا من أجل الموت ...

15/10/15

قد حل الخريف إذن واكتست الارض بألوان ميتة 
وفي طريقي الى المشفى ذكرتك ...
كم كنت أريد لو أتصل بك الآن لأخبرك وأقص عليك كل الحقيقة التي غابت عن ذهنك ..
أنت الوسيم فارع الطول بهي الطلعة الذي امتلك قلبي مُذ أن وقعت عيناي التائهتين عليك ..
كيف استطعت أن تفهم كلماتي إليك بشكل خاطئ
وكم أنا بحاجة لأن أرسل لك رسالة أخيرة أبوح لك فيها بكل شيء قبل فوات الأوان ..
وقد وصلتُ إذن ..حقيقة كحقيقة أن الشتاء يدق باب الدنيا بكل وقاحة يرغب في إماتتها لإحيائها
والمرض يدق باب جسدي لإماتتي فحسب.
وأنت بكل جميل تملكه بعيد بعد الصيف عني ..
بينما أمشي بين الممرات متجهة نحو غرفة الفحص 
أراك ترافقني بصمت مزمن ترقبني من بعيد والفجوة بيننا تتسع ..أتذكر كلام الطبيب "لديك عام كحد أقصى حسب نتائج الخزعة التي أخذناها منك" ..عام كحد أقصى ..لو كان معك لكانت أيامي طويلة ملء أعوام من فرح وحبور ..
ضحكتك الحقيقية النادرة التي جاءت بعد انتظار أشهر كلمتني عنك مطولا وشرحت لي كم أنت قريب رغم بعدك ..
ضحكة لم تكن موجهة لي ورغم ذلك استحوذت علي وجعلتني ملكك وأنت تظن أني لا أستهويك وأن كل بريدي إليك يهدف للتقليل من شأنك ..
ماذا أفعل ...
لن أفعل شيئا سوى أني سأقاوم من أجلك سأجعل منك هدفا لأحيا ..سأعيش على أمل بأن ألقاك بعد عام وأعترف لك بكل شيء ..قد أكون أضحك على نفسي ولكن هذه هي الطريقة الوحيدة ..قد يكون الوقت متأخرا وقد تكون قد ارتبطت بأخرى ولكني سأنفث نيران غضب ساكن في هذا المرض اللعين الذي فرقني عنك وسأحرقه وسأحرقه حتى أتمكن من رؤياك ..أنت حبيبي الوحيد البعيد البعيد ...
فإلى ذلك اليوم ..أتمناك ...


14/10/15

شاعر 

نهضت مسرعا من مقعدي وتوجهت نحو الباب وأحداث اليوم ترافقني كظلي ..
في الطريق إلى هنا سُرقتُ بعينيك وحاولت أن أستظل بهما لوقت أطول إلا أنك مررت من أمامي ولم ترمقيني حتى بنظرة عابرة سبيل ..ثم وقعت في حبك ووصلت إلى العمل واستلمت رسالة رفدي من العمل لأسباب تتعلق بتغييرات تحصل في الشركة ثم مشيت في الطريق لأقع بعد أن علقت بشرك سلك حديدي كان ينتظرني أنا وفقط أنا لأقع وأصبت بإصابات طفيفة الا أنها آلمتني حتى النخاع فقمت كأن شيئا لم يحدث ثم قررت أن أجلس في مطعم قريب لألتقط أنفاسي فتشاجرت مع أحد المدخنين الذي جلس في زاوية غير المدخنين وضايقني بدخان سجائره المتكررة ثم توجهت إلى أقرب بنك لأكتشف أنني أفقر مما كنت أتصور وأني مهدد بالطرد من بيتي المستأجر ثم رأيتك من جديد وافتعلت محادثة معك حين طلبت منك أن تبحثي مني عن شيء أضعته ولم أكن قد أضعت سوى قلبي الذي بات ملكك من غير أن تدرين ثم اعتذرت مني وتركتني أبحث عن نهاية موفقة ليومي فجلست في المقعد في الحديقة العامة وأخرجت قلما وورقة وبكيت وبكيت حتى غرقت الورقة بالدموع فأخرجت أخرى وملأتها بقصيدة أنظمها لأول مرة في حياتي وانتظرت أن تعودي في معجزة تجلبك إلي لكنك لم تفعلي فتوجهت إلى مكتب الجريدة اليومية التي أتصفحها كل يوم وطلبت نشر قصيدتي فقرأها الموظف بلا مبالاة ومن دون اكتراث الا أن تعابير وجهه تغيرت ونظر إلي وسألني إن كنت شاعرا مرموقا فأجبته أني في الطريق لذلك...
13/10/2015

صداع

كنت أمشي على غير هدى أتلمس طريقي بين الحطام وبين الأشلاء حاملا قرطك الذهبي وتملكني نفس الصداع الذي لطالما استحوذ علي عندما نفترق..عزيزتي الصغيرة سأجدك بلا شك ألم تعديني قبل سويعات أن تلاقيني عند المسجد الواقع بجانب كنيستك المحببة حيث تصلين كل أحد.
ألم تنظري إلي بنظرة هيام لتطمئنيني بأننا بلا شك سنبقى واحدا رغم الظروف .
ألم نتغلب على الفروقات بيننا واختلاف نظرنا في شتى المواضيع لنرضخ للعشق الذي جمعنا فألف بين قلوب من حولنا ..
أنت حبي الوحيد آنستي التي أغدقت عالمي بكل ما هو خاص وبكل ما هو نادر في هذا العالم.
سأجدك هناك بين المسجد والكنيسة وستلقي علي تحية الاسلام رغم أنك لا تنتمين إليه وبغض النظر عن تمسكك بدينك فلطالما بينت لي أنك تنتمين بالأول والأخير لدين الإنسانية.
القرط معي جميل دافىء حي ينبض وأنت كذلك ستكونين رغم ما حصل ورغم الصداع الذي يبعث شِقِّي المتشائم إلى الحياة.
لكن أين أنت ؟!
سأبحث مجددا في نفس المكان حيث أهديتك القرطين لا شك أنك تختبأين هناك بين ذكرياتي القليلة معك والتي صلبت روحي وتركتها عارية أمام المستحيل .أحبٌّ كحبنا سيعيش ؟!
ألم نر الأحباب يتفرقون لأسباب طائفية غبية ومجردة من أي منطق .ألسنا جميعا بشر؟!
دعكَ من  الأسئلة ؟ كنت ستخاطبيني بصوت يترك صداه في قلبي ..دعنا نصلح العالم عبر حبنا الكبير ..كل شيء سيتغير بعد أن ننشأ قبيلتنا الصغيرة ...
يا للصداع كلما بحثت عنكِ أكثر كلما زاد من طغيانه على عقلي.. 
سترين ما سأفعل من أجلكِ !
سأزرع فلسطين وردا شبرًا شبرًا وبستانا تلو بستان حتى تخطين في الجنان يا حلوتي
بل وسأفعل أكثر من ذلك سأقتلها كلها 
سأتخلص من أجلك يا صغيرتي البريئة من كل الأشواك ومن كل الأعشاب الضارة ومن كل الحسرات تخرج من صدور أمهات الأموات 
وسأقيم عرسا لنا في فلسطين ...حيث سنجتمع والمحبين ..حيث الحرية ستتحد وأطفالنا المستقبليين.
لا أجدك أقسم أني سأجدك 
ها قد وقع نظري على القرط الثاني ألم أقل لك أني سأجدك والصداع قد بلغ أوجه وأنت نائمة كأميرة 
تنتظر من يوقظها 
أنا سأوقظ الجميع من أجلك
أجل سأفعل 
لا داعي للوداعِ فنحن سيان في الموت 
أنت حية وأنا ميت وأنت ميتة وأنا ميت 
الزفرات يا جولييت الزفرات وروحي تغرغر 
والطلقة تلو الأخرى تخترقني فأنا أيضا قد جنيت
أسيشفق الله على قاتل ارتكب جريمة بيضاء 
نعم هناك جرائم بيضاء ترتكب من أجلك جولييت
طلقة تلو الأخرى ولم أقتل سوى نفسينا 
لا تقسي عليّ جولييت فأنا قد ضعت من غير ابتسامتك تزرع السكينة في نفسي
ها قد وجدتك 
ها قد رأيتك 
ها قد تركت القرط يهوي
ها قد .......



8/10/15
في مقهى غير بعيد عن مركز المدينة جلست سيدة تحتسي فنجانا من القهوة وتقرأ كتابا بدا  بأعين من كان يراقبها عن كثب بالغ القدم .
وكان أن مضى نصف نهار والسيدة تجلس في نفس المكان والرجل الذي كان يتبعها بعينيه يجلس أيضا ويتأملها  وعندما لامست عقارب ساعة المقهى الثانية ظهرا نهضت السيدة بشكل فجائي مما أفزع الرجل وجعله يتململ كمن استيقظ من حلم جميل .
مضت السيدة في طريقها وتركت الكتاب على الطاولة مما أثار اهتمام الرجل وجعله ينقَضُّ على عليه ويخرج من المقهى ويبحث في كل الاتجاهات عله يجد نفس السيدة ليعيد لها إياه لكنه لم يجد لها أثر ...
عاد الرجل إلى مقعده وفتح الكتاب فإذا هو فارغ من أي فحوى..صعق الرجل وبدأ يشكك في صحة السيدة العقلية ..من بحق الجحيم تجلس الساعة تلو الأخرى تقرأ في كتاب فارغ ..أغلقه وتأمل العنوان فإذا به يجد اسمه الكامل في خانة المؤلف وبدأت الأمور تكتسي تشويقا وإثارة ..لم يصدق الرجل ما قرأه فرفع عينيه عنه ثم تمعن في اسم المؤلف من جديد وتأكد أن اسمه مكتوب بالكامل على الكتاب. 
أما العنوان فقد كان مكتوبا بأحرف هيروغليفية   وكم تمنى الرجل لو كان يستطيع فك الرموز المرسومة ليعلم أي سحر يخفي هذا الكتاب ..
في اليوم التالي رجع الرجل إلى المقهى جالبا معه الكتاب أملا في عودة السيدة لكنه انتظر حتى الساعة الثانية الا انها لم تظهر وخرج الرجل من المقهى وتوجه الى مقهى إنترنت قريب من المكان واختار موضعا قريبا من النافذه لانه أحس بالاختناق ..لقد ألقت سيدة عليه سحرها وكان من الصعب عليه التخلص من ذكرى وجهها البريء
فكأنها ألقت عليه لعنة فرعونية فلم يفكر في غيرها طيلة اليوم ثم ماذا عن الكتاب الغريب الذي ضم اسمه والذي أراد أن يحل لغز غموضه  بأسرع ما يمكن .بحث الرجل عن موقع فيه شرح عن اللغة المصرية القديمة وحاول أن يترجم العنوان بلا جدوى فقد استعصى عليه الأمر حتى هدته الشبكة العنكبوتية إلى أبجدية الهيروغليفية مترجمة الى الأحرف العربية فترجم الإشارات على وجه السرعة وبلهفة فإذا بالرموز تتحول إلى أحرف عربية واضحة وإذا بالعنوان يتراءى أمامه بكل وضوح .
اغرورقت عينا الرجل بالدموع وهو يركب الأحرف لكلمتين اثنتين هما "رحلة عذاب" 
ومضت الأيام وظل الرجل يبحث عن السيدة التي خلبت لبه وسرقت قلبه بهدوئها ورقتها من غير أمل وبدت حياته فارغة وتحولت لرحلة عذاب من دون محبوبته التي اختفت على حين بغتة ولم تعد تظهر ولطالما عاد الى نفس المقهى ليبحث عنها ولكنه وبعد مدة تيقن أنها لم تكن سوى مسافرة  أتت من زمن بعيد لتقتله وترحل بلا رجعة .
























new poetry book on publications' page







للتواصل

أ.م

2all Web Design